عفيف الجبهة !

عفيف الجبهة !
الزيارات: 3398
التعليقات: 0

 

بقلم :  ماجد بن مطر الجعيد

من أدب العرب ولطفهم في اختيار الألفاظ كانوا يقولون: (فلان عفيف الجبهة) كناية عن قلة صلاته أو أنه لا يصلي.
عرفته مرهف الحس، صعب الجانب، كثير النفور، صاحب دعابة حاضرة، أصادقه منذ عهد طويل على ما فيه من تقصير مخيف! مشكلته الوحيدة تنبع من إيمانه الداخلي بأنه لم يفعل ذنبا قط يستحق الرجوع والتوبة عنه! لا يسرق ولا يغش ولا يكذب، يسعى في أعمال البر ما أعلمه وما لا أعلمه، وهذه شهادة حق لا أكتمها أمانة، وبما تقتضيه حقوق الصداقة.
الإنسان بطبعه لا يرى فداحة خطئه كما يراه الآخرون، غير أني أحتار فيه؛ مرة يتملكني اليأس وأفقد الأمل ومرة أظنه: مجرد روح تائهة تحتاج إلى من ينصت لها! بلغ به تمرده أنه لا يصلي وإن صلى؛ صلى تحرجا من الإجابة ب «لا» والله أعلم به مني.
ما منا معصوم عن الخطأ، لكن حرصنا ومحاولتنا للمراجعة ومحاسبة النفس واجبة مع تصحيح الخطأ والانتقال للصواب.
مما ألمسه في حديثه تعطشه الدائم للانحراف؛ بل في أفكاره التي يؤمن ويصرح بها أحيانا لخاصته من الناس، وهي ممزوجة بسخرية ومزاح فيلتبس عليّ هل ما ينطق به يقين محض أم حديث عابر ومؤقت أم أن ما ظهر على السطح كان يخفي في باطنه أكبر من ذلك بكثير؟!
يأخذنا هذا الشيء بالتدرج لمنحنى أخطر للراغب في إفساد من حوله فلا يكفيه فساد قلبه؛ وإن لم يكن يتأثر أحد بما يقول على مبدأ “ودت الزانية لو أن كل النساء زواني”.
وفي سياق متصل بمسألة الإلحاد ونشوء الشبهات الفكرية التي لحقت مؤخرا بالشاب العربي وكادت تغرقه بسبب الفراغ الكبير في فكره ومعتقده. ما يحدث الآن جاء نتيجة أعوام من التجهيل، والانسحاب من سلطة الشرع التي تنظم غرائزه بالحلال والحرام.
اقتحام مجال معين والتردد عليه بلا فهم صحيح، تفرض على هذا المقتحم مفاهيم مغلوطة، ينهمك في الدفاع عنها، ولو كانت لا تصلح تداولها عوضًا عن تبنيها!
كنت أحاول الإنصات لفلتات لسانه ومغالطاته المنطقية وإن كان يخفي ما يعتقد بسخريته المعهودة ومزاحه المستمر لكنه كان تحديا صعبًا بالنسبة لي.
في رواية الأم لغوركي” الناس الذين يكثرون المزاح هم الذين يتألمون أكثر من سواهم”. ولولا الألم لما كان في صراع دائم يخنق روحه، كما ترعبه كيفية الوصول للسعادة التي تزيل ألمه.
قد لا يكون أسوأ من غيره لأنه لا يجرؤ على الصدام الجاد؛ وهذا دلالة على جوانب الخير التي تتكشف في نفسه شيئًا فشيئا.
في الحديث الصحيح: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم».
لا شك عندي أن العزلة الطويلة، وترك مخالطة الناس تولّد مثل هذا النوع من الأفكار التي يتأثر بها الفرد؛ كالنار تأكل بعضها إذا لم تجد شيئاً تأكله. وأن مخالطة الناس مطلوبة وإن كان ينالك بعضًا من أذاهم لتثبت بشريتك الناقصة. وربما وجدت في ثنايا حديثهم ومبعث خواطرهم ما يجيب عن تساؤلاتك وخلاصًا مما يتآكل فيك.
واعلم أن الناس قيود وحواجز صدّ خفية تحول بينك وبين الرذائل كيلا تتعثر فيها وتسقط، وكلما زادت علاقاتك ومعارفك قلَّت حريتك وأصبح قيدك أكثر إحكامًا! وما رأيت شيئًا أثقل على الإنسان من تجاوز الخط الفاصل للوهلة الأولى إلى جانب شديد الحُلكة لنزف الشرور الكامنة في أغواره بجرأة تبتلع كل فضيلة !
يارب لا تحرمنا نحن وأولئك التائهين مسالك النور، وقربنا منك، واجعلنا ممن يتّقيك ويسعى إلى رضاك. اللهم لا تكتبنا ممن أعرض عن ذكرك، وثبتنا وأدهشنا بهدايتك، وامح كل ظلمة تشكلت في قلوبنا الهشة، وهذب أفكارنا برحمتك الواسعة.

https://www.baareq.com.sa/?p=1008158

التعليقات (٠) اضف تعليق

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>