إذا أنت أكرمت اللئيم..!

الزيارات: 7556
تعليقات 8

ليس صحيحاً أن تعتمد حياتك على الناس، فهناك أمور لا يقوم بها سواك وليس يعني أنك لا تحتاجهم، وليس صحيّاً أن تعامل الناس بنفس درجة المعاملة ، مهما كانت علاقتك بهم، فليس كل العقليات واحدة، ولست مجبراً على أن تكرِم أو تكرّم أي شخص، فليس كل من اكرمته وكرّمته وقدّرته يستحق..

 

وجدت ذلك في معاملات الحياة وملفات العمر، فكثير من الناس يعيش معتمداً على غيره طوال مراحل حياته، ومنهم من يرى أن المعاملة الحسنة والتواضع خوف وضرب للقيمة، وكثير منهم يحسب الكرم تعاطي لنقصٍ أو ضعف..

 

هؤلاء للأسف ذهبت حياتهم سدى، وفني العمر منهم وشاخ، وهم ينتقصون مكارم الرجال واخلاقهم، تحت تأثير تلك الأمراض الخبيثة التي اصبحت أرواحاً كالأشباح تنام في أخرى فتكت بكل القيم والمبادئ ، وليتها تتوقف لديهم بل لا يستكّن لهم مضجع إذا ما أرّثوها..

 

قيل في الأمثال العربية من شطر بيت للشافعي : “ما حك ظفرك مثل جلدك” وقد فسّر البعض هذا المثل على “مزاجه” فدخلت في تفسيراتهم “القبيلة” و”العائلة” و”الجيران” وحتى “العمّال” يرون “حرشهم” واجب ، ومنهم من كان ينتظر “حرش” الهواجيس، وقدرة “الخيال”..

 

أمّا ما جاء في “خاطري” و”فهمي” لتفسير هذا المثل أنه يعني : أن على كل إنسان أن يعتمد على نفسه في أموره، متبعاً ما جاء في الشطر الثاني من البيت للقائل : “فتول أنت جميع أمـرك” ، وما يحدث لأولئك هو النقيض تماماً، فهم يعتمدون على الغير بلا أدنى مسؤولية منذ نعومة أظافرهم حتى وأن اتكأوا على الوظيفة فهي لم تكن كافية لبناء حياتهم، وعاشوا على خيرات السلف، وبرغم ذلك تجد الواحد منهم ينتقد ويكيد ويحاول غرس الأفكار والاعتقادات من قوانين احقاده ، ويقف لدى السلبيات دائماً فيصطاد منها محاولاً تضليل الآخرين عن كفاح ونضال رجال شقّوا طريقهم نحو الحياة من الطريق الصعب على مختلف الأصعدة والمستويات والمجالات..

قيل في الأمنال : 
– تنكشف الأخلاق في ساعة الشدّة
– إذا لم تستحي فافعل ما شئت.
– أطهر الناس أعراقاً أحسنهم أخلاقاً.

عرفنا في سيرة بعض السلف محاولة الحفاظ على وحدة صف الأسرة أو العشيرة، ولكن ما لبثت تلك المحاولات على الفشل تحت قوى الأحقاد وقوى الشر ، التي تظهر ما بين الفينة والأخرى أقوى من ثورة البركان، لتعصف بتلك المحاولات وتفتك بكل قوى الخير، والطامة والفجيعة الحقيقية قد تكون تحت سقف أسباب تافهة يخسر فيها الأخ أخيه وقريبه ، ولا شك أن الأسرة المدرسة هي من تغرس بذور الخير والحب في نفوس بعضها تبعاً وتبدأ في الإعداد الصحيح السليم والصادق لبناء علاقات صادقة مع المجتمع وعلى قاعدة خُلقية من عهد الأجداد فيتوارثها الآباء والأبناء،  أو أن تقوم بالعكس ظناً أن ذلك صحيحاً فكان لازماً أن تعيش على رحمة  “الصحيح الخطأ”.

 

أعلم أن الكثير تفاءلوا، ودخلوا من باب حسن الظن باب الأنقياء، ووثقوا ثقة الطيبين الثقة العمياء ، أيماناً منهم بأن هناك من يشكر الله وعلماً يقيناً بأن من لم يشكر الناس لا يشكر الله، فهي تسري في دمائهم مسلّمة، مسلّمة الشاكرين، فصدموا ومنهم من لا زال تحت وقع موجة “الصدمات” ، ومنهم اعتادت نفسه عليها ومات فيه الإحساس..
وقد قيل : “كل إناء بما فيه ينضح”..
وكل إناء امتلأ بالنكران والجحود تحت تأثير الحقد لا يمكن أن يرى الخير حتى وأن أدعى الشكر ، فالتصرفات والسلوك البشري مرآة المرء، ولكن من الصعب أن يرى الإنسان نفسه، والأمّر أن يراها صحيحة ولا جدال..

 

اخيراً مهما حاول الإنسان صناعة المعروف من جهة ومعاملة الناس بطيبة من جهة أخرى، فليكن ذلك لوجه الله في المقام الأول ، فليس كل من تقدم له معروفاً سيقابله بالمثل أو سيحسن الظن بك مقابل معاملة حسنة ، ولن يكون لذلك مردوداً إيجابياً في نفس اللئيم والخبيث من الناس، وقد قيل يوماً على لسان أعظم شعراء العرب :
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته —— وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا..

 

وهنا توضيح صريح منذ أكثر من 1100 عاماً مضت لأبي الطيب المتنبي شاعر الفلسفة ومغامرات الحياة، والذي بيّن ان النكران من شيم اللئام، وأن حسن صنيعك له سيحقرك، فأنت مهما قدمت له سيبقى ليئماً،

 

تسديدات

 

— يهتم الكثير دائماً بالقشر ويترك اللب ظهر ذلك في التركيز العميق على عنوان مقالي الأخير “الإعلامي الحمار”..

 

— تصيّد السلبيات والنظرة القاصرة والغيرة ،  مشاعر مستدامة تحملها النفوس الحاقدة ، التي تنظر للمعروف والجميل من زاوية ضيقة ، وتتناسى بعمد..

 

— طبقيّة المعاملة ، لا يقرّها الدين ، وأقرّها الناقص..

 

— إذا كان الكرم والمعروف يزيد من نقص ونكران المرء ،، فماذا تنتظر منه أن يزيد فيك؟..

 

— الحاجة التي هي أم الاختراع، وقال الشافعي :

وإذا قصـدت لـحاجـةٍ —– فاقصد لمعترفٍ بقدرك

وحاجة الناس لبعضها فطرة بشرية وإلا لما كان هناك الغني والفقير، السعيد والتعيس ، المتعافي والمريض..إلخ،، والإنسان إذا قصد من يقدّره وجد حاجته..

 

— اللئيم دائماً يقصد الكريم ولا يمكن أن يقصد لئيم مثله ، المشكلة المؤلة أنه في الشدائد يتذكر ذلك الكريم ويتمنى أن يكون بجواره في شدته، وفي الرخاء جل ركضه خلف اللئام..

 

— الإنسان بعمق تطلعاته وافكاره ، يسير على الأرض ، ويمضي في الحياة، يتجاوز المحن ويتخطى الصعاب ويتحدى ويتغلب على الظروف، حتى يحقق أهم احلامه…حق من حقوقه ، وحق مشرع لا يقتصر على احد..

 

— الفراهة، والـ”تميلح” بحسن الآخرين أشبه بـ”المكياج” يسيح بقطرة ماء..

 

— المصالح عصب العلاقات، فلا غرابة أن تموت الكرامة تحت الأقدام من أجل مصلحة..

 

— ثقتنا المستمرة بالآخرين نستمدها من حسن ظننا بهم، وتغيير مسارنا ليس لسوء ظن، إنما هي نعمة تعافي والحمد لله من بلاء المثالية واستيعاب حقيقة من لا مثالية لهم، وعندما نبتعد تحت أي ظرف لا يعني ذلك أننا تغيرنا، بل وقع صدمة لخيبة أمل فيمن أحسنّا الظن بهم..

 

— كل عام ومن أحبّنا بخير..

 

نقطة أخيرة : ميلادي كان عيدي الأول معك..كل عام وعيدي أنتِ…

 

تحياتي للجميع
وإلى اللقاء..

@soliman_asharef

 

 

https://www.baareq.com.sa/?p=910516

التعليقات (٨) اضف تعليق

  1. ٨
    رمضان كريم

    ما حك جلد مثل ظفرك فتول أنت جميع أمرك
    واذا قصدت لحاجه. فاقصد لمعترف بقدرك

  2. ٧
    غير معروف

    رمضان ولى ايها الصوأمون
    والعمر ينقص والذنوب كثار

  3. ٦
    عبدالله

    قل والله .. عارف ماراح تطلع التعليق بس اهم شي قرأته

  4. ٥
    حسن البارقي

    كم هو مؤلم وصعب على النفس
    ان يقابل احسانك نكرانآ
    ووصلك هجرانآ
    عندما تمر بظروف صعبة تحتاج إلى وقفة القريب قبل البعيد
    سوف تتفاجا بحقيقة الاقرباء وسقوط الاقنعة
    المريفة
    عندما تكون طيب مع الجميع قالوا مسكين ضعيف على نيتة ولاتجد منهم اللى السخرية والتقليل والتهميش
    لكن عاملهم بنذالة واحتقرهم واعطهم العين الحمراء
    وأسقهم من نفس الكأس الذي يشربون منه
    سوف يحترمونك غصب عنهم
    من مبدأ المعاملة بالمثل
    هذه حقيقة مؤلمه
    قلوب مريضة حسد وحقد بيننا
    قيل لرجل / اتحسد فلانا وهو يواليك ويكرمك
    فقال نعم حتى اصير مثلة اويصير مثلي
    اخي سليمان وفقك الله وبارك فيك

  5. ٤
    غير معروف

    أبدعت 👍👏

  6. ٣
    ماهر ابوماهر

    أبدعت 👍👏

  7. ٢
    صريح

    من ناحية موضوع ” السلف” فعلا مجتمع عجيب كم من شخص اقتتات سنوات طويلة على السلف واكرمناه بمايطلب ثم بعد ذلك لم يقدر ماقدم له ونكر الجميل ولم نجد منه اي عذر على استمراره سنوات عجاف عن عدم أداء الدين ولا نقول الا حسبنا الله على تلك النوعيات التي يجب ان تستأصل من المجتمع وأن تترك ولاتقدر لانها لاتستاهل هلله سلف فمابالك بمئات الريالات .

  8. ١
    ص م ر

    مقال رائع من قلمٍ أروع عودنا دائماً على الجميل والجميل والمفيد

    • -١٠

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>