الإجازة غنيمةٌ أم ضياع..؟!

الإجازة غنيمةٌ أم ضياع..؟!
الزيارات: 9881
تعليقات 3

 

حديثي إليكم -أيها الكرام- عن موضوع هام للغاية ، فرط فيه كثير من المسلمين ، واعتبروه شيئاً عادياً ، ولكنه في حقيقة الأمر أغلى من الذهب ومن الفضة ومن سائر الدرر واليواقيت ، لسان حاله يقول : “بصوني نجح الناجحون ، وبهدري خاب الخائبون ، عرف العقلاء قدري فكان عاقبتهم المجد والسيادة ، وهون الجهلاء من أمري فحُرموا من الإفادة والريادة ، فرحم الله من صانني عن البطالة والضياع ، وعمرني بالخير والانتفاع ، وأحسن الله عزاء من أضاعني ؛ فلقد غبن نفسه حين فرط وأضاع ، وكل مفقودٍ عساه أن يعود إلا أنا فإني إذا ذهبت فلا أعود أبداً أبداً “.

لعلكم عرفتموه ! إنه الوقت ، إنه الزمن ، إنه الفراغ الذي نعيشه الآن في الإجازة .
ولعظم شأن الوقت أقسم الله – عز وجل – به في كتابه في غير ما آية ، ومن ذلك قوله تعالى: وَالضُّحَى ، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ، وَالْفَجْرِ ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ ، وَالْعَصْرِ ، إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ، وكل هذه أجزاء من الوقت . ونفاسة الوقت وأهميته تأتي من كونه :

– يذكرنا برحيل الليالي والأيام .
– ولأن ما مضى منه لايعود أبداً .

ما مضى فات والمؤمل غيبٌ * ولك الساعة التي أنت فيها

– ولأن الله جل وعلا أقسم به ، وهو سبحانه وبحمده لا يقسم إلا بعظيم .
– ولأنه ميدان السباق وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ.
– ولأن فواته في المباح من الغبن الفاحش ، والخسارة العظيمة ، فضلاً عن إضاعته في الحرام ، فذاك هو الهلاك بعينه .
يقول صلى الله عليه وسلم : :« نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ ». رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ ،

والمعنى : أن كثيراً من الناس يكونون في صحة من أبدانهم، وفراغ من أشغالهم، ولا يعمرون أوقاتهم الفارغة بطاعة الله تعالى، ولا يستعملون أبدانهم الصحيحة فيها، فتضيع عليهم تلك الأوقات وتلك الصحة باطلاً، فيخسرونهما ولا يستفيدون منهما فيكون ما خسروه منهما نقصاً في حظهم من حياتهم، وإذا كانت الحياة هي أغلى شيء عند الإنسان يحافظ عليه، ولا يبذل شيئا منه إلا بحقه، فهؤلاء الذين نقصوا حظهم في حياتهم هم أعظم المغبونين.

قال الله تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ. قال الوزير يحيى بن هبيرة مبيناً نفاسة الوقت وأهميته :
وَالوَقْتَ أَنْفَسُ ما عُنِيْتَ بِحْفظِهِ … وَأرَاهُ أَسْهَلَ مَا عَليْكَ يضِيْعُ.

ثمة سؤال يبحث عن إجابة شافية :
كيف تقضي عطلتك الصيفية أنت وأسرتك ؟
الفراغ نعمة إن استُغِل استغلالاً حسناً، ولكن سُرعان ما ينقلب إلى نقمة وبلاء إن لم يُعرف قدره، وما أكثر المتجاهلين لقيمة هذه النعمة المغبونين فيها، ولهذا جاء في المثلين السائرين : “الوقت من ذهب”، و”الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك”، سيما مع اجتماع المال والشباب.

إن الفراغ، والشباب، والجدة ** مفسدة للمرء أي مفسدة
. فينبغي علينا أن نعرف شرف الوقت، ومن علامة المقت أضاعت الوقت، ومن علامات التوفيق أن تكون أنفاس العبد في طاعة الله عز وجل ، ومن تجاهل قيمة فراغه الآن فسيأتي عليه يوم يعرف فيه قيمته ، ولكن بعد فوات الأوان.

قال ابن مسعود رضي الله عنه : ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه عمري ولم يزد فيه عملي ، وقال الحسن -رحمه الله-: أدركت أقواما كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصا على دراهمكم ودنانيركم.

أيها الكرام :

وعلى هذا فإن الوقت أغلى من الذهب واللؤلؤ ومن كل جوهر نفيس و حجر كريم ، إنه الحياة والعمر.

هذا الإمام ابن الجوزي يقول:” وقد رأيت عموم الخلائق يدفعون الزمان دفعاً عجيباً ، إن طال الليل فبحديث لا ينفع أو بقراءة كتاب فيه غزل وسمر، وإن طال النهار فبالنوم، وهم في أطراف النهار على دجلة أو في الأسواق.ا.هـ”.
وما ظنكم بما سيقوله ابن الجوزي لو رأى ما يقضي فيه بعض المسلمين أوقاتهم في هذا الزمان الذي كثرت فيه الصوارف والشواغل ، والملهيات والمغريات حتى استرخص فيه أقوام أوقاتهم ، فبذلوها فيما حرم الله عليهم ، فإلى الله المشتكى.
يقول شوقي – رحمه الله -:

دَقَّاتُ قَلْبِ المَرْءِ قَائِلَةٌ لَهُ … إنَّ الحَيَاةَ دَقَائِقٌ وَثَوَانِي
فَارْفَعْ لِنَفْسِكَ بَعدْ مَوْتِكَ ذِكْرَهَا … فَالذِّكْرُ لِلإِنْسَانِ عُمْرٌ ثَانِي

فمن حافظ على وقته وضن به على البطالين، ترقى في درجات الكمال، ومن أضاع وقته فيما لافائدة فيه ، تهاوى في دركات الوبال، ومن لم يتقدم فهو في تأخُر.

واعلم – وفقك الله ورعاك – أن ترتيب الأوقات يبارك في الأعمار ويزيد من نتاجك العملي والعلمي والمعرفي ، ومتى ما أهملت نفسك وضيعت أوقاتك، زالت البركة وانفرط عليك العقد ، ومن الحكم الغائبة على كثير من الناس : الواجبات أكثر من الأوقات ، والزمن لايقف محايداً ، فهو إما صديقٌ ودود ، أو عدوٌ لدود .
– ولتعرف قيمة سنة واحدة ، سل طالباً رسب في الامتحان، فتخلف عن الأقران .

– ولتعرف قيمة شهر واحد ، سل أماً وضعت في الشهر الثامن، كيف مر عليها هذا الشهر وما لحقها فيه من تبعات .

– ولتعرف قيمة يوم واحد ، سل عاملاً بالأجر اليومي يرعى عشرة أطفال، كيف أثر على حياتهم هذا اليوم .

– ولتعرف قيمة ساعة واحدة ، سل عريساً ليلة زفافه ينتظر عروسه، كيف تمر عليه الساعات بل الدقائق بل اللحظات .

– ولتعرف قيمة دقيقة واحدة ، سل مسافراً فاتته الرحلة ظل في المطار ، فهو في حرج وضيق وارتباك وتشتت .

– ولتعرف قيمة ثانية واحدة ، سل شخصاً نجا لتوه من حادث سيارة، كيف مرت عليه هذه الثانية.
وفي نهاية المطاف:
تيقن أن استثمارك لوقتك يعني سعادتك ونجاحك ، وتضييعك له يعني خسارة عمرك .

منْ لم يعظْهُ الدَّهرُ لم ينفعهُ ما .. راحَ بهِ الواعظُ يوماً أو غدَا
منْ لم تفدْهُ عبراً أيَّامه..كانَ العمى أولى بهِ من الهُدى.
والحمد لله رب العالمين.

بقلم : أحمد بن عامر البارقي
رئيس مكتب الدعوة والإرشاد بمحافظة بارق
٢١-١٠- ١٤٣٩

https://www.baareq.com.sa/?p=914194

التعليقات (٣) اضف تعليق

  1. ٣
    حفيد الصحابي عروة البارقي رضي الله عنه

    الله يجزاك خير يا شيخ أحمد .. والله يجعل لك بكل حرف أضعاف من الحسنات
    محافظة بارق .. عروس المجد

  2. ٢
    حسن البارقي

    بارك الله فيك اخي احمد وطرقت باب ندر من طرقه وتفردت في طرحه وفقك الله

  3. ١
    طمحان

    الله يوفقك وييسر امرك يا د. احمد بن عامر بنسبه الي ان احب الوقت اضيع الوقت الا في شي ينفعين

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>