وللأمكنة جروح لا تندمل !!

الزيارات: 2750
تعليق 11

ساعة مغيب الشمس وهي تلملمُ خيوطها المحمرّة من ألم الفراق وكأنها صورة مودّع في إطار من ذهب ، سمعتُ صوتا من أقصى القرية يسعى يشبهني في الذكرى وفي الهوى والمنفى .. فوقفتُ على سفح يعتلي أطلال وبقايا قريتي الحزينة، وقد انحدر بجانبها الوادي يغسل قدميها بسيول السفوح كلما تعبت ، وعلى جوانبه مزارعه المهجورة التي تحفّه من الجانبين وبعض من الأغنام ترعاها عمالة وافدة.. وقفتُ على الدار الخلاء كأنني ** وقفتُ على قلب من الصبر بلْقع. وأخذني الحنين إلى باب دارعتيقة من بيوت قريتي الحبيبة بعد طول فراق وشدة شوق واشتياق وعيناي ذاهلتان في آثار باكية لفّها السكون بأكفانه وسكب على أركانها آهات الفراق، مردّدا قول الشاعر: راحوا بلا موعد وغابت ملامحهم == ما يوجع الفقد كثر ماتوجع الذكرى..لأصِفَ المشهد لكل من له قلب تعلّق بها أو نقلته أقدامه لها ذات يوم.. وليتني لم أزرْها ولم تأخذني خطاي إليها.. فقد ذبتُ وجدا في أماكن أعمار جميلة غادرتْ بلا عودة ، واختلطتْ ماء العيون بدموع شغاف قلبي. دارعتيقة اعتزّت وزهت بحركة الإنسان وبركته ويا للأسى أرى الآن عزيزةَ الأمس في لحظة هوان وضعف لايليق بها، ذبُلت مفاتنها وتهاوت قواها لا تقوى على الكلام ولا رَدّ السلام ، ترنو بعين أنهكها البكاء وطول الانتظار لمن وعدها بالعودة ولم يعد ..بكاء الجدران المائلة أنين يقطع نياط القلوب ويدمي مُقَل العيون،عصف بها الضعف وأنهك تفاصيل المكان ، وتباعد الأهل ورحل الجيران ،بين هجرة طال أمدها وموت لا صحوة بعده .. تنكّر لها القريب وجفاها البعيد ، وجحدها الأبناء وكافؤوها بالعقوق والنسيان ، فتصدّعت الأركان واعشوشبت الدروب ، وتساقطت الأبواب وتهاوت السقوف … كساها الوهَن بعد عنفوان وقوة ، وتملكّها الظلام بعد نور وأُنس وسكنها الغراب والبوم .. غدتْ نسياً منسياً وطَمست هويتها نوائب الزمن ومحت الكثير من سطورعزّها وعبثت الأعاصير بأعاليها ، وهدّت كبرياءها غوابس الأيام ..كل بيت هنا يتّكئ على الآخر بعد أن عبثت بها الرياح وقسوة الأمطار ولهيب الشمس وسياط الزمهرير .. هذا يكرّ وذاك يفرّ ، وهذا يلقي به والآخر يرد الرمية في حرب ظالمة من طرف واحد لا يملك لها هذا الطلل الأعزل من كل وسائل الدفاع درعا واقية ولا أهلا يسألون .. حتى التاريخ لم يشفع أو يحاول تأخير اجتياح قسوة الطبيعة التي لا تمتلك أدنى قدر من تقدير الأمكنة والاعتراف بمن شيّد أركانها ذات يوم . بقلبي أيها البيت المسجّى !! ليت بكائي يستعيدك من قبضة النسيان ويستحضر أرواحَ ساكنيك وينثر رائحة حياتهم الجميلة ، ويعيد إلى دروبك زحام الأقدام وضجيج أفراح العيد وزغاريد الأعراس وقصص السمر… كأني بك ــ وأنت تهوي صريعا في ظل هجران أهلك وناسك بطل ضُعف وهان وغدا تحت ضربات الانتقام وفقدان كبرياء كانت بالأمس هنا .. يا لقسوتك أيها الزمن وأنت تجهل المنازل وما تختزله زواياها من حكايات البساطة وصدق الألفة والإيثار،وأسرار الأحبة الذين تركوا جمالهم هنا ثم غابوا في طوايا البعد.. دار كانت تختال بأهلها وتزدان بفتوّة أبنائها وألق الصبايا وقصص الجدات وحِكم الآباء، وتحفّها أحواض الرياحين وإضمامة البرك والوزّاب ، وتشعل في دروبها نار الكرم والاحتفاء بكل قادم ، ويفوح من أركانها فجّة البخور وعبارات الترحيب .. والآن أركان تحتضر وجدران تتهاوى على فراش سمفونية الوحشة ولحن النهايات .. ماكان لك أيها البيت المنسي أمام عاصفة الجحود والنكران أن تضعف وتتهاوى وتذرف دموع الأسى وتوسلات الأبواب المتعبة وأنين الزوايا المظلمة لولا أن الأهل هجروك وأمعنوا في البُعد وخطفتهم ثقافة الإسمنت ولم يتذكروا عشق ترابك لخطو أقدامهم ، فعبثتْ بك يد الزمان وحلّت بك مشاهد البِلى. عفوا قريتي الحبيبة وشاهد الأمس الجميل على أن نفوسا طاهرة زرعت عبقها هنا، وأقسم لك لا ولن أنساك وأتناسى ذكريات الصبا بين جدرانك وعبر تفاصيل دروبك ومع أهلك وناسك ، لكنها الأيام لا تبقي على أحد ، فرّقت شمل الساكنين وعصفت بالأهل وباعدت بين الجيران ، واسترقت منا ابتسامة أمسنا اللذيذ ببساطة أهله وتواضعهم وتقاربهم وتقاسمهم لذة الحياة وبؤسها . لقد أبكيتني وأدميت قلبي وأنا أراك وحيدة ، منكسرة ، بكلكل زمن لايرحم وأهل لايسألون وعوامل قاسية أجهزت على ما تبقّى من كبرياء المكان . لم يدُرْ بخلدي يوما أن أراك نسيا منسيا وصمتا مطبقا ووحشة دائمة وحزنا شاهدا على فراغ المكان وغياب الأهل والخلان.. تفوح دموعك بأسرار لا يعرفها إلا من استرخى على صدرك وتلذّذ بعطف أحضانك أيام صباه .. آلمتني الأبواب المشرعة كأفواه اللحود متشبثة بأقفال صدئة ومفاتيحها غادرت المكان وذابت في الغربة ومعها اختفت أعمار وحكايات وأسرار..وبعد أن أستجمع قواي ــ وأُلملمُ جسما عاثت به متواليات السنين وأرهقه حالك ومآلك وأمسح دموع الأسى وألتقط بعضا من ملكة الكلام ــ أُردّد بعضا من تباريح الشاعرابن الوراق على باب مدينته بعد أن تفرّق أهلها بين الأمصار :

من ذا أصابك يابغداد بالبين

ألم تكوني زماناً قرّة العين

ألم يكن فيك قوم كان مسكنهم

وكان قربهم زَينا من الزين

صاح الغراب بهم بالبين فافترقوا

= ماذا لقين بهم من لوعة البين

أستودع الله قوما ما ذكرتهمُ

إلا تحدّر ماءُ العين من عيني

كانوا ففرّقهم دهر وصدّعهم

والدهر يصدع ما بين الفريقين

https://www.baareq.com.sa/?p=936882

التعليقات (١١) اضف تعليق

  1. ١١
    علي مديني.

    الله عليك . لافض فوك وسلمت أناملك.
    لقد نبشت في الذاكرة واستخرجت مكنونات ايام كادت ان تنسى ولكن بهذا التصوير الجميل عشنا مقالك الرائع بمشاعرنا وأحاسيسنا وكأننا في رحلة الى تلك الأيام الخوالي التي ستظل هي الأجمل مهما بلغنا من الحضارة ورغم توفر كل وسائل الراحة والترفيه والمتعة.

    • ١٠
      أبو بندر الأسمري

      أشكرك كل الشكر على هذا المقال الذي كان قدابكاني وأنا اقراه ولكن لااستغرب من مبدع كبير وأديب يحمل هم هذه المهمه العلميه الراقيه بكل معانيها فمره عن الثقافه ومره عن الماضي العريق ومره عن الأنتماء إلى حبك إلى ماضينا الذي له علينا واجب الذكرى ، فكماقالوا اللي ما له ماضي ماله حاضر، فبكل حب وتقدير لك ولأناملك الذهبيه اللذي أطلب الله يبارك لك في عمرك وعملك

    • ٩
      جابر الشهري/ تنومة.

      والله لقد أبكيتتي.. لن أسامحك أستاذ حسين.. ذكريات بيتنا القديم شعور يرافقني في كل مكان.. من الوفاء أن تذكر ماضيك ورفاقك وأهلك وناسك..

  2. ٨
    محمد الحسن عسيري

    كلام يدمي القلوب والله.. ذكريات الأمس لايمكن تنسي.رعى الله أيامن البسيطة أيام المحبة والتواضع والبساطة

  3. ٧
    جابر محمد عسيري

    ما شاء الله
    حديث الذكريات شيء يسلل إلى القلوب ويلامس هواها ويعبر عن مكنونها
    سلمت أبا أحمد يا فارس الجبل

  4. ٦
    حسن رقعان البهيشي

    كلام جميل يحكي واقع الذكريات مع بيوت جميلة عشنا فيها وتربينا في دروبها والآن أصبحت من الأطلال.. الله يازمن..

  5. ٥
    وليد

    أستودع الله قوما ما ذكرتهمُ

    إلا تحدّر ماءُ العين من عيني

  6. ٤
    مهاجر غصب عنه.

    رحم الله تلك الوجوه العظيمة التي صبرت وصابرت وكانت جميلة في كل شيء.. سقى الله تلك الديار الحبيبة ورعى أيامها التي لاتنسى

  7. ٣
    محمد النامسي

    الله يسامحك ياشيخ والله لقد أحزنتني .. ليش يا اخي تنبش في الماضي وكيف كان خلنا نعيش حياتنا بحلوها ومرها ولاتذكرنا الله يرحم والديك “””

  8. ٢
    عاشق الماضي

    من أجمل الموضوعات عن حب المنازل والديار والذكريات الجميلة..

  9. ١
    حسن محمد الاسمري .. مكة

    عندما يجتمع صدق الحنين للمكان و لماضي عشناه مع براعة وابداع في التعبير حتماً ينتج عملاً ابداعياً يلامس الجروح و يدغدغ المشاعر .
    مبدع كما عرفتك . وبكل امانه موقعك على الاقل على هرم افضل الملاحق الادبيّة … وفقك الله ،،

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>