أُستاذُ الأجيال ، واللقاءُ الأخير 

الزيارات: 2748
تعليقات 5

=========================
نتفٌ من لقائي الأخير مع الأستاذ القدير : محمد بن إبراهيم قدري – رحمه الله – بقلم أحد تلاميذه / أحمد بن عامر آل غشام البارقي.
ضحى السبت ٢٢ محرم ١٤٤١من الهجرة النبوية الشريفة .————————————————-
لقاءٌ على غير العادة ، التقيتُ فيه بأُستاذي (محمد بن قدري) في مناسبة زواج بعد مغرب السادس عشر من شهر ذي الحجة من عام ١٤٤٠، فجلست بجواره فرحاً مسروراً ، فإذ به كما عهدته ، يسألني عن حالي وحال أهلي ثم سألني عن مكتب الدعوة ، فأجبته بطيب الحال – ولله الحمد – ، فبدأ يُسدي إليَّ بعض التوجيهات المهمة في الحقل الدعوي ثم قال (الله يوفقكم ويعينكم ياولدي)، سبحان الله ! وكأني معه على موعد سابق أخذ يذكر لي طرفاً من حياته قبل ما يربو على الأربعين عاماً ، بدءً بمدينة الرياض التي عاش فيها مرحلة من شبابه ، ثم مروراً بمدينة خميس مشيط ، ومضى رحمه الله في حديث شيَّق ماتع تمنيته ما انقضى لروعته ، تارة في ميادين الحياة ، وأُخرى في حدائق العلم والمعرفة ، إلى أن فاجأني بقوله ” رحم الله الصنعاني ، لقد كان من أمانته أنه ينقل جميع الأقوال للمذاهب ” ، فسألته عن بعض الكتب، فأخبرني بأن لديه فتاوى شيخ الإسلام ، وفتح الباري ، وبعض أمات الكتب ، الأمر الذي لفت انتباهي لأسأله مباشرة عن الجامعة التي تخرج منها ؟ ليأتِ الجواب سريعاً : لقد تخرجت من جامعة الإمام -فرع أبها – عند افتتاحها منتصف التسعينات من القرن الماضي ، لكنه ذكر لي أنه يعاني هذه الأيام من قلة المطالعة لضعف بصره ، ثم ذكر لي موقفاً عجيباً في مسيرته الدراسية ، وهو أنه كان يرغب التخصص في الرياضيات ، وحاول جاهداً ، ولكن عميد الكلية في ذلك الوقت أخذ ملفه وكتب عليه : قسم الشريعة ، فما كان منه إلا الامتثال لذلك الأمر ، لينطلق – رحمه الله – في هذا التخصص رغم صعوبته ويتخرج ، ليعود معلماً ومربياً في بارق – مسقط رأسه – ثم مديراً لثانوية بارق وقد تشرفت ولله الحمد بالدراسة فيها إبان إدارته لها قبل خمسة وعشرين عاماً ، وكأني به يقول :
لقد طوفتُ في الآفاق حتى * رضيتُ من الغنيمة بالإيابِ
فقلت متعجباً ! يا أستاذ محمد مثل هذه الذكريات والمحطات التي تحمل في طياتها المعاناة والعبر والدروس يجب أن تُنشر بين الناس، لأنها قصة كفاح ! فابتسم ،ثم استأذنته في لقاء معه نُعرِّج فيه على شيء من ذكرياته ومحطات حياته ، لنستلهم منها عبق الماضي نحن وأبناء الجيل ، فوافق – رحمه الله – ولكن سبق القدر ، بعدها همس لي بأمر وأوصاني به ، وطلب مني تنفيذه على وجه السرعة ، وكأنه يشعر بدنو أجله . أتجاوزه حتى تحين ساعته ، ثم توافد الناس وفرقوا بيننا، فكان ذلك اللقاء هو (الأخير)- والله المستعان – وإني لأدعو من زاملوه وعرفوه أن يتفضلوا علينا بكتابة شيء من سيرته ومسيرته الحافلة بالعطاء ؛ لأنه – بحق – رجل قدير ، له من لقبه حظٌ وفير ، وقور بكل ما تعنيه الكلمة ، فما تراه إلا بساماً ، متواضعاً ، بعيداً عن الأضواء .
ويعلم الله إنني أحببته في الله ، فما قابلتهُ إلا وقبلت رأسه ونعته ” بالأستاذ” . كيف لا وهو أستاذ الأجيال في زمن عزَّ فيه العلم والمعلم !
أستاذ أحببناه ، فما كنا نراه إلا أباً حانياً ، ومربياً فاضلاً. وهل لنا أن ننسى توجيهاته ورسائله في الطابور الصباحي ، تلك الكلمات والعبارات التي تنم على شفقة ومحبة للطلاب .
كأن بني نبهان عند وفاته * نجومُ سماءٍ خرَّ من بينها البدرُ

ولقد صدق أخي الأديب ، الشاعر الأريب درويش بن هيازع البارقي في مرثيته فيه بقوله :

يا أيها العَلَمُ الذي رُزئت به
الفُقراءُ والضعفاءُ والأيتـــامُ
كــلّ المدارس والدروس حزينةٌ
تبكي رحيلَك أيها المقدامُ
شيخُ المعارفِ والسماحةِ والندى
فخِرتْ بجودِ عطاءه الأيامُ
فعليك يا “قَدريّ” وبل غمامةٍ
وعلى ثَراك تحيةٌ وسلامُ

رحم الله أستاذ الأجيال، وجمعنا به في دار كرامته ، ومستقر رحمته .

https://www.baareq.com.sa/?p=963084

التعليقات (٥) اضف تعليق

  1. ٥
    علي مديني.

    رحم الله فقيدبارق …
    نعم الرجل احد أبنائي كان من طلابه يقول لم يمر علينا معلم ولامدير اثناء فترة الدراسة بمراحلها الثلاث مثله .
    لن انسى توجيهاته في طابور المدرسة كنا نشعر اننا أمام اب وليس مديرا للمدرسة كلماته ونصائحه تلامس القلب كلمات صادقة لاتعرف المجاملة ولاالتزلف .
    ايضا في ايام الإجازة الطويلة والمدرسة مغلقة ابوابها بالأشهر كانت اوراق التعاريف وحسن السيرة والسلوك معه في سيارته لكل من يحتاج اليها وفي وقت وعادة يتواجد في مكتبته التي كان يجلس فيها وسط بارق.
    رحمه الله فقيدنا واسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.

  2. ٤
    ابوخالد

    رحمه الله رحمة واسكنه الفردوس الاعلى من الجنه واموات المسلمين جميع

  3. ٣
    أبويزيد

    رحمه الله رحمة واسعة واسكنه الفردوس الأعلى من الجنة…لن ننساه أبا عبدالله…ولن ننسى مواقفه معنا عندما كنا طلابا في متوسطة الإدريسي…لن ننسى مواقفه التربويةأبدا لم ننس عندما أخرج لنا شهادة الصف الثالث المتوسط قبل الاختبارات بفترة ليبث فينا روح التنافس وينمي فينا الطموح ويفتح عقولنا لحرصه على بناء مستقبل جيد لحياتنا…لن ننسى حسن تعامله مع الجميع…العامل والمعلم والطالب وولي الأمر…لم ننسى أبدا مدى حبه للخير وحرصه على ذلك…
    رحمه الله وجمعنا به في مستقر رحمته.

  4. ٢
    غير معروف

    نسأل الله أن يرحمه ويغفر له ويسكنه فسيح جناته ويثبته عند السؤال اللهم آمين يارب العالمين

  5. ١
    ابو يوسف

    رحمه الله وغفر له واسكنه فسيح جناته
    لم أعرف هذا الرجل ولاكن حبيناه من سمعته العطره ومن احبه الناس فنسئل الله أن يكون من المحبوبين عنده

اضف تعليق

بريدك الالكترونى لن نقوم بأستخدامه.

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>